سايبر سكس

واكاذيب وانترنت


على مرّ التاريخ عملت الاكتشافات العلمية والحضارية على إحداث تغييرات حادة وجذرية في سبل عيش الناس وطرق تواصلهم في ما بينهم. الآلة البخارية والطائرة والسينما والتلفزيون والسيارة،... غيّرت معالم الحياة والطبيعة وتدخلت في علاقات البشر في ما بينهم. الإنترنت، اليوم، تُدخل البشرية مجدداً في نفق مماثل. وبخلاف ما يشاع، فإن الإنترنت لا تبدو في كثير من الأحيان إحدى وسائل تسهيل الاتصال بين الناس، بل يبدو أنها وسيلة مناسبة لترسيخ عزلة الناس ووحشتهم القاتلة. هذا التحقيق يحاول كشف بعض الجوانب المتعلقة باستخدام الانترنت هناك و... هنا.

سمير: شاب عازب في الخامسة والعشرين من عمره، يعمل مندوباً للمبيعات لدى احدى الشركات. علاقاته الاجتماعية تنحصر في اللقاءات المألوفة مع شبيبة الحي، وتقتصر صداقاته العميقة على شابين فحسب. ليس لسمير اي علاقة غرامية بل تقوم ممارساته الجنسية على الاستمناء. يمضي نحو ثلاث ساعات يومياً في احد محال الانترنت الشعبية في الحي، واحياناً ست ساعات. كان الهدف الاول التعارف على الفتيات فاللقاء بهن. لكن جميع محاولاته باءت بالفشل بسبب صدمة التواصل مع الشكل الخارجي والتي غالباً ما ترافق لقاءات الانترنت لحظة انتقالها الى مساحة الواقع، اما من طرفه واما من الطرف الآخر.

بالاضافة الى الدردشة العادية، يمارس الشاب السايبر سكس (ممارسة جنسية مع شريك مجهول أو مع شريك كان مجهولاً وصار ثابتاً الى حدّ كبير) في المحل نفسه الذي غالباً ما يكون عاجاً بالشبيبة والقاصرين. ويقتصر الجنس على ملامسة قضيبه من فوق البنطلون على نحو متواصل وخفي. بعد ساعات من الحقن الجنسي الناجم عن السايبر سكس، يصعد الشاب الى غرفته ويستمني ثلاث مرات مستجلباً في ذهنه الايحاءات الجنسية التي تعرّض لها على الشبكة.

نبيل : رجل متوسط العمر من طبقة متوسطة، متأهل ولديه ولدان يانعان، يعمل في مؤسسة هندسة في الخارج. كل ليلة ينتظر نوم زوجته وولديه ليتفرغ كلياً للانترنت حيث يمارس السايبرسكس مع الرجال. وحين تسأله زوجته عما يفعله كل ليلة على الشبكة يتذرع بالابحاث.

عمر: في الثلاثين من عمره، عازب، يقطن وحيداً ولا يرغب في ذكر مهنته. ينتظر بفارغ الصبر حلول العاشرة ليلاً، الوقت الذي ينخفض فيه سعر المكالمة الى النصف، ليبحر على الشبكة بادئاً بالتحقق من صفحات الانترنت المفضلة اليه، والمحدثة اسبوعياً او يومياً، ليُنزل الصور الجديدة على حاسوبه المنزلي ثم يبحث عن صفحات جديدة لم يكن قد اكتشفها بعد، وهي لا تعدّ ولا تحصى. يتنقل من صورة عري الى اخرى حتى حلول الخامسة صباحاً فيستسلم للنوم بعد ان يغالبه النعاس والتعب. تبلغ حصيلة الليلة الواحدة ما يقارب خمسين صورة تضاف الى ما امتلكه اصلاً ويفوق سبعة آلاف صورة ينظمها بحسب تسلسلها الابجدي ونوعها ثم يحفظها على اسطوانات مدمجة. رغم كمية الصور الهائلة التي يمتلكها، لم تخفت رغبة عمر في المزيد منها. فهو يتمتع كل ليلة بتلك التي تتكشف شيئاً فشيئاً وببطء، تماماً كمشاهد الستريبتيز. كان يرى في تمضية الساعات بين الكومبيوتر والتدخين والقهوة والاثارة الجنسية ضجراً اقل من ذاك الذي يشعر به من جراء اللقاء مع الناس. في عزلته هذه، ينتقل الى عالم بديع من الانفلات الجنسي والحرية المطلقة بالرغم من الاحساس بالوحدة الذي يترافق معه.

الملامسة المستحيلة

بين ليلة وضحاها، اصبح في امكان اي شخص ان يمتلك حاسوباً منزلياً وان يتصل بشبكة الانترنت وينغمس في ملذات جنسية ذات طابع فريد او مخالف، منها العلاقات بين الجنسين او بين افراد من الجنس الواحد او عبر الممارسات السادية - المازوشية، وصولاً الى أقصى الرغبات غير المألوفة، كالولع بممارسة الجنس مع الحيوانات والاثارة الجنسية المستمدة من الجثث والبراز والبول. فمهما بلغت ميول المرء الجنسية ندرة، يجد لها انعكاساً ومتنفساً على شبكة الملذات. وهكذا، أدخلت القواميس كلمات مستحدثة، ابرزها السايبر سكس cybersex.

تشكل استحالة الحصول على الآخر محرك الاثارة الاول فيها، ويتبادل الشريكان خلالها جملاً مفعمة بالاثارة الجنسية في احدى غرف برامج الدردشة Chat room. ويختلف السايبرسكس بقدر تطور معدات الكومبيوتر. فاذا كنت تمتلك كاميرا وميكروفوناً يصير اللقاء اقرب الى الواقع والحقيقة، باستثناء ملامسة جسد الآخر. وبهذا يضاف السايبر سكس الى اللائحة الطويلة لوسائل التنفيس عن الكبت الجنسي الناتج من القيود الاجتماعية الجمة.

فجأة، صار لعدد من الناس حياة مزدوجة: الحياة المعتادة وما تتطلبه من ضبط النفس وعدم البوح بما يراود المرء، والحياة التي تتيحها فسحة الانترنت حيث يترك الشخص العنان الكامل لمختلف رغباته، فيتعرى من خجله، ويتحرر من تهذيبه المتكلف.

التواطوء على الكذب

تكمن المفارقة الكبرى ان نكون صادقين بتطرف في مساحة خارجة عن الواقع حيث يصعب ان يأخذنا احد على محمل الجد. فمن الصعب التأكد من اي معلومة يبثها الآخر عن نفسه. في المقابل، يمكننا ان نتبنى اي شخصية تداعب مخيلتنا وتصبغها بصفات لا نملكها، كما يمكننا ادعاء اي مكانة اجتماعية. حتى انه في امكاننا تغيير نوعنا الجنسي من دون عملية جراحية. والشبكة تتيح حداً من الانعتاق الاخلاقي لا نجد له انعكاساً في الواقع المعيش او حتى بوادر لحلول قريباً. ويثار السؤال: هل تمتلك الشبكة امكان التحضير لهذا التغيير الجذري في تعاطي الناس بعضهم مع البعض على ارض الواقع أمام زيادة الطلب على نمط علاقات الانترنت، ام ان علاقات البشر الجنسية ستزداد تخلفاً وتتطور الشبكة، الى حد نقل صور ثلاثية البعد توهمنا بالتواصل الجسدي، لتصبح البديل الحصري من علاقات جنسية مغايرة؟

يتيح انفتاح الشبكة اللاواقعية لرحالتها اكتشاف اوجه الجنس المتعددة والتعبير عن الذات ضمن محيط آمن، طالما ان الجنس لا يخرج من مساحتها الآمنة بالفعل. وتتقولب الطبائع الجنسية لزائر صفحات البورنوغرافيا ويستلهم من صورها بلا اي رادع مقدار استعداده للتلقي. السايبر سكس هو الممارسة الجنسية الآمنة الصرف Safesex. ما من تبادل لافرازات جنسية، وما من ضرورة للاستحمام بعد الانتهاء منها، وما من حرج من صمت ما بعد الجنس، وما من التزامات مفروضة اجتماعياً كالاخلاص وتقبل الآخر. وكثيراً ما يختبر المرء اموراً يصعب ممارستها في الواقع، هذا من دون ذكر ان بعض رغباتنا الجنسية مستحيلة التحقق لاسباب اخلاقية او قيود اجتماعية او الخوف من الاذى الجسدي او حتى لروادع شخصية، او بكل بساطة لاننا لا نرغب في ان تتخطى نزواتنا الجنسية حدود النزوة والمخيلة.

كان هناك يوم شكّل فيه التعارف ومن ثم الزواج من خلال الانترنت عناوين رئيسية في الصحف، اما اليوم فبات خبراً عادياً لا يستحق الذكر. فقد اصبحنا على درجة من الإلفة مع مختلف مظاهر الانترنت ونتائجه، ويزداد في المدينة مشهد الواجهات التي نرى خلفها اجساداً متكورة وظهوراً محدودبة يغمر النور المنبعث من شاشة الكومبيوتر ملامح وجوه اصحابها الحيادية التعبير، ويضفي على تقاسيمها مناخاً مستقبلياً نترجمه بالكآبة. ولا يتنبه المستوحدون الجدد الى فرصة التسامر بعضهم مع البعض بدلاً من الدردشة مع مستوحدي المقلب الآخر من الشبكة. تتماثل اللقاءات المريحة لغرباء الليل على الانترنت بصورة سينمائية صارت بائتة اليوم، وفيها يلتقي البطل/ البطلة شخصاً غريباً تحت اضواء العلب الليلية الخافتة ويبدأ البطل البوح بما يخامره بكل حرية كون الآخر يجهل حقيقة هويته او حتى صدقية خبرياته، ثم ينتهي اللقاء من دون عواقب.

 

افتراس الوقت

الانترنت افضل من هذه اللقاءات لان مستخدمها يستطيع بكبسة من فأرة التحكم ان ينتهي من هذا الغريب من دون اي حرج او ملاحقة. الحد الآخر لبركات الشبكة، ان الانترنت ماكينة شرسة لانها تفترس وقت الزائر ولانها توقعه في دائرة الازمان النفسي عليها. كما ان مستخدمها يزداد وحدة وغربة عن الواقع. لدى المرء ميل قوي للعيش في المتخيل. كتب اومبرتو ايكو ان "الفن يخلق نوعاً من الإفقار لغنى الواقع". على النحو ذاته، تقوم الشبكة بتحقير الواقع كونها اكثر انفتاحاً وتحرراً منه. لكن "الحقيقة" و"الحقيقي" كانا لا يزالان جوهر وجود الانسان، وهمّ تأكيدهما هو محرّك اساسي لحياتنا.

تشير دراسة "مفارقة الانترنت: تقنية اجتماعية تقلل من المشاركة الاجتماعية والراحة النفسية"، الى انه كلما أمضى الناس ساعات اكثر على الانترنت قل تواصلهم مع عائلاتهم وتقلصت دائرة معارفهم. كما ان الاستخدام المتزايد للانترنت متهم بأنه يؤجج الاحساس بالاحباط النفسي وبالوحدة مع مرور الوقت. ويفترض باحثو هذه الدراسة ان البعض يحاول من خلال نمط علاقات الانترنت ذات النوعية الفقيرة، عن علاقات اقوى سبق ان اختبرها. والعمل على خلق بدائل منها.

إدراك أثر الانترنت وما يخلّفه من وحشة نفسية لدى زوّاره، جدير باهتمامنا. لكن ما يستحق الدراسة فعلاً ويبقى أشد إثارة للاهتمام والمعالجة يتمثل في نتائج سهولة وصول افراد المجتمعات الاشد انغلاقاً الى البورنوغرافيا والجنس المتخيل، وفي العواقب المترتبة على اطلاق العنان للجنس على الشبكة ثم مواصلة الحياة العادية في صباح اليوم التالي في مجتمعاتنا المتزمتة، حيث نثابر على التعاطي مع الجنس كمعصية يفترض إخفاؤها، ونفتقر الى معالجة أوجهه. واذا تمت مقاربة هذه الاوجه فإن ذلك يتم على نحو رجعي ويراوح ضمن أطر المحاكمة والاخلاقيات.

المشكلة ليست في سهولة حصول المرء على المادة البورنوغرافية. فهذه السهولة، خلافاً للمفهوم التقليدي الرافض لها، تخفف من الحقن الجنسي.

يؤكد بعض علماء الاجتماع ان استخدام النتاج البورنوغرافي غير مؤذٍ، بل يمكن توظيفه في امور عدة ويعتبر صحياً ومحرراً الى حد ما. كما يزيد من الثقافة الجنسية ويغني الحياة الجنسية وهو مصدر لاكتشاف ذات المرء، فضلاً عن كونه يشكل مجالاً للتسلية. في حالات عديدة تستخدم البورنوغرافيا في البرامج العلاجية لحالات العجز الجنسي. اما البعض الآخر من العلماء فيشير الى الجانب الاخلاقي المرتبط بالموضوع والمتمثل في استغلال المرأة وتحويلها سلعة، اذ يشكل الذكر المستهلك الاول للبورنوغرافيا. فمعظم هذا النتاج يقدّم المرأة على نحو "يجردها من انسانيتها"، وهذا تعبير تحتمل صدقيته الكثير من النقاش. ويبقى السؤال الاساسي: هل التعرض الى مادة البورنوغرافيا يؤدي الى تغييرات سلبية في سلوك المرء؟ لا اجابة رغم الابحاث الكثيرة حول الموضوع وتضارب نتائجها. ففي الدانمارك الغي عام 1960 القانون الذي يقيّد جميع اشكال انتاج البورنوغرافيا وتوزيعها. وخلافاً للتوقعات، تراجعت نسبة الجنح الجنسية فوراً، مما دعم الفرضية القائلة بأن البورنوغرافيا ليست غير مؤذية فقط بل مفيدة. لكن احدى الدراسات الاميركية ذكرت ان مبيع الاعداد الكبيرة لمطبوعات من نوع "بلايبوي" و"هاسلر" في الولايات المتحدة يرتبط مباشرة بحوادث الاغتصاب. ففي ألاسكا ونيفادا، حيث سجل اكبر عدد لمبيعات هذه المجلات، نجد أعلى نسبة لحوادث الاغتصاب. ويؤكد بحث مخبري ان النتائج لم تكن حادة الا انه تم تسجيل بعض التغييرات. فالرجال الذين شاهدوا صوراً وافلام فيديو عن الممارسة الجنسية الحميمة بين أزواج متوافقين، اصبحوا اقل حماسة حيال مظهر شريكتهن الخارجي. فالتعرض لمشاهدة نماذج جميلة تجعل الشريك اقل جاذبية. لكن التأثير نفسه تخلّفه على نحو اسوأ الاعلانات والسوبر موديلز والافلام السينمائية بدرجات تزايد على البورنوغرافيا، وذلك على نحو متواصل بينما تبقى البورنوغرافيا محصورة ضمن حدود استعمالها.

يصعب تقدير او حتى البحث في نتائج تأثير مادة البورنوغرافيا على الانترنت، وقد لا تختلف بتاتاً في الغرب عن الاستخدام المألوف للبورنو، لكننا متأكدون من اتساع انتشارها. فحتى في الغرب قد يتجنب البعض الاحراج الناجم عن الذهاب الى سوق الصور والافلام المثيرة، بسبب موقع مهني او اجتماعي او حتى بسبب الحياء.

واذا طرحنا السؤال الآتي: ما أثر ذلك في مجتمعاتنا، فانه يبقى سؤالاً مفتوحاً بلا اجابة. لكنه يستدعي الدراسة والبحث.

بقلم منير عبد الله


الصفحة الرئيسية    موضوع اخر